الأحد، 28 أغسطس، 2011

الحــــارة رقـــــــم 2 ... / ماجـد علي


 
الحـــارة رقـــم 2 
ـــــــــــــــــــــــــ

اعتدت علي نفس طريق عودتي - بعد انتهاء فترة العمل الصباحي - للمنزل لأحصل على قسط من الراحة بضع ساعات قبل العودة مرة أخري للعمل في الفترة الليلية بمكان أخر حتى صباح اليوم التالي ، واعتدت ايضاً أن أصاب بضيق من كثرة الزحام حولى ، وحالة الفوضى الغير منظمة ، الشارع يختنق بالسيارات مولداً أبواق تختلف اصواتها تبعاً لأختلاف احجامها ، حرارة الشمس تسكب اشاعتها فتغمر الجميع بالضيق والخنق ، فتجد الجميع متصبب عرقاً وكأنها حالة اعتراض منظمة .

في إحدي المرات رأيت فتاة جميلة الملامح عيناها تحكي سطور شعرية خلابة ، وبعد أن توقفت قليلا أمامي .. ذهبت ، لكن قبل اختفائها تلاقت عيوننا في سلام فابتسمت .. فتمنيت لو كانت تلك الأبتسامة لي . لم أعرف كم هي الساعة ، ربما الثانية وأوقات هي الثانية والنصف واخرى هي الثالثة ، شديدة هي الحرارة ومرهقة أصوات الزحام ولعنة الأنتظار . تكررت المقابلة أكثر من شهر لم أراها سوي للحظات قليلة ، لم أعرف لها وقت محدد للظهور ، غير الصدقة . أحياناً هي موجودة في نفس الموعد .. وكثيراً هي غير موجودة - وإن طال إنتظاري - تري أهي طالبة أم تعمل هنا في إحدي شركات الأتصال التي تملاء المنطقة . ؟ اسئلة كانت تتولد في رأسي في كل مرة بعد أختفائها ، وفي النهاية ألعن ضعفي ، واستحس جنوني أن يعبث بكل ما حوله ، أتمناه لو يحدث ثورة عارمة بلا جدوى .

في كل مرة كنت اتخذ قرار داخلي بمطاردتها ، مثلما فشلت ايضاً كل مرات محاولة اللحاق بها . وذات مرة وجدتها متجهة صوبي تماماً اقتربت أكثر ، ومع كل اقتراب لها يزداد ضجيج قلبي .. مدت يدها في اتجاهي تقترب أكثر .. وأكثر ثم ....انحرفت فجأة .. غيرت مسارها ...

ــ من هذا الشاب ؟ يعرفها ... نعم يعرفها !

اي الأسئلة الغبية التي اسئلها لنفسي ، وجهها يعترف وهي تبتسم له ، حين اشتد الخجل عليها من ضغطته علي يدّها .

ــ قلبي يحترق .. انتهى اللقاء بعد أن أستمر دقيقة كانت كافية لإشعال ثورتي .

زاد بريق عينيها بعد إنتهاء اللقاء .. ترى هل هي حرارة الشمس كانت السبب أم ... ؟

ــ لماذا أقف طويلاً ، سؤال اتخذت اجابته فور التفكير فيه وقررت أن أتبعها ، ها هي أمامي .. داخلي فكرة لا تقبل الموت هذه المره ، تمر من شوارع صغيرة ، كأنها تريد الهروب .. كأنها تعلم أني أتبعها .؟

تمادت في السير ، وتماديت بإلحاحٍ أن أعرف إلي أين سوف تذهب .؟

حارة ضيقه على بابها "سيدة" خطوط الفقر والعجز تنتعش بملامحها ، أمامها قفص كبير يحمل ألعاب البخت القديمة ، وعندما رفعت رأسي عنها عانقت عيني الجدار ، ولوحة معدنية تحمل الرقم 2 .


ــ هنا ... توقفت الفتاة ، وتوقف معها عقلي عن التفكير ، إستدارت نحوي نظرت إلى عيني بعمق ، شعرت إنها تقمصت نفسي كجسد ، وكأنني تقمصتها كروح فصار حديثنا مكشوفاً ، كانها تفهمني وكأني اسمعها ، توقفت قدماي دون إرادة مني .

أشعر بأن لون ثيابها الأحمر ما هو سوى انعكاس لوجهي الخجول ، مازالت صامته تدور حولي مثل ذلك الفراغ الذي ببداية شريط التسجيل ثم دخلت بيتاً قديماً وأختفت .

لم أعرف تحديداً أسم ذلك المكان ، وقبل أن أحاول البحث ... باغتني رجل وسألني ..؟ ماذا تريد .. أخبرته دون تردد أني اخطأت السير وأود أي طريق يوصلني لشارع رئيسي ، وبعد أن تملكت من ارتباكي خرجت دون أن أعلم أين أنا .. ؟ ولا أعرف عدد الحارات التي تركتها خلفي ، لم أجد أي شيء قد تركته منذ دقائق سوى هذه اللوحة المعدنية التي تحمل الرقم ( 2 ) ، لا السيدة العجوز موجودة ، ولا الزحام المختنق من شدة الفقر ... شوارع واسعة منتهية بمتاهات .

بعد مرور شهر لم أراها اتخذت قرار أن أذهب إليها .. نعم ... سوف اسأل عنها تمهيداً لخطبتها .. لما لا !!

ــ فكم اشتاق جنوني لكي يتمسك بحلم من احلامي اليائسة ، أن يدخل حياتك شخص بأستطاعته أن يغيرك تغييراً كاملا ، وبعد شجارٍ مع نفسي ، أتجهت لنفس الطريق ويملاني كثير من الأفكار ، ألف سؤال وألف ألف إجابة .. علقت قدمي فتهاويت وارتطمت بحائط منزل ، فقدت الوعي للحظة دوار لم يتح لي رؤية شيء ، الدماء تغرق وجهي ـ وما إن فتحت عيني وجدت يد تمتد نحو كتفي ، وصوت يعانق أذني شديد الوضوح يسألني هل أنت بخير.؟

قلت : نعم .. بخير . . ولما هممت بالوقوف وجدتها امامي
إنها هي .. فأبتسمت ، وقلت لا أنا كثيراً بخير أنا بخير جداً .

ــ تطايرت فرح، رقصت كالمجنون الذي دمر كل شيء من أجل أن يكون مهوساً بلا شيء ، كنت أشعر بأني اقدر على غزل الهواء مطراً .
 

طالت فرحتي حتى أنتهت ، لم أكن أبالي ما سوف أقوله ، وعندما نظرت حولي وجدتها أختفت . أتجهت صوب المكان لم أراها .. لا يوجد غير تلك اللوحة ، لا بيوت لا شيء سوى باب كبير اشبه ببوابة قديمة ظللت أطرقه محاولا أن أدفعه أفكر لو اخترقه أو أكسره .




ــ وفجأة .. سقطت ورقة بيضاء ، درت بعيني المكان لم أجد شيء ، إزداد الفضول داخلي ، أمسكت بالورقة وبعد أن فتحتها وجدتها فارغة ، لم تحمل أي كلمة ، وكأنها مكتوبة بحبر سري أربعة سطور خالية ، لا تحمل أي كلمات تدلني لشيء ، وضعت الورقة داخل قميصي ورحلت .

تمت ،،


قلم

ماجد علي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق